مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )
29
محمد ( ص ) في مكة
قضية عثمان بن مظعون ( رضى اللّه عنه ) وقضايا أخرى شبيهة نفهم من الفصل الأول أن وات ذهب إلى أن الوثنية العربية قبل الاسلام كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة أو أنها كانت في حالة احتضار ، وأنها تدنت إلى مستوى السحر ، ولم يعد لها مضمون عقائدي ، وبطبيعة الحال فان التركيز على هذه الفكرة ذو مضمون تطورى ، فكأنه يريد القول إن التحول للاسلام بعد ذلك كان هو الخطوة المنطقية أو الطبيعية ، وفي فصوله الأخرى يشير إلى كثير من الآيات القرانية التي تفيد أن العرب كانوا يعرفون اللّه كموجود أسمى فوق كل الخلائق ، ولكنهم كانوا يشركون مع عبادته أربابا أخر . ويضيف أيضا أن الأفكار المسيحية واليهودية لم تكن بعيدة عن شبه الجزيرة العربية من نواح شتى ، كما لم تكن بعيدة على نحو خاص - عن مكة والمدينة ، فهو يحدثنا عن الرحلات التجارية إلى الشام البيزنطية ( المسيحية ) وإلى الحيرة الفارسية ( التي انتشرت فيها أيضا المسيحية على المذهب النسطورى ) والى الحبشة ( المسيحية اليعقوبية ) ويحدثنا عن قبيلة عذرة المسيحية ، وعن اليهود في الجنوب وعن التجمعات اليهودية الصغيرة في بعض الواحات ، وكيف أن بعضهم ربما كانوا عربا تهودوا . . ولما كان الانسان ابن بيئته ، فهو يفترض أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كان على علم بما يدور حوله ، ويرفض وات تماما أن الاسلام دين صحراوى فهو قد نزل أول ما نزل في بيئة مالية معقدة هي بيئة تجار مكة الذين غلبت تحالفاتهم المالية ، تعصبهم القبلي ، ويضرب أمثلة على ذلك ويورد جداول تبين طبيعة هذه التحالفات ، ويتتبع خطوط التجارة ، ويربطها بالقوى السياسية الكبرى في ذلك العصر : الدولة البيزنطية ، والدولة الفارسية ، والحبشة ، ويرى أن أهل مكة - وهم تجار - كانوا على وعى كامل بهذه الأوضاع السياسية لارتباطها بتجارتهم ، ويستنتج أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كان أيضا على وعى بذلك ، ويضرب وات أمثلة بأشخاص كانوا حتى قبل الاسلام منهمكين في البحث عن الدين الحق أو فكرة التوحيد ، ويسوق أمثلة منها ورقة بن نوفل ، والمؤلف لم ينكر